لا يزال نقص الأراضي المخصصة للنشاط الصناعي يشكل عقبة رئيسية أمام المستثمرين، رغم الوعود المتكررة بالإصلاح التي لم تحقق نتائج مرضية. وتستعرض هاجر عطية في تقريرها للمنصة القضية باعتبارها أولوية على أجندة وزير الصناعة خالد هاشم، الذي يسعى إلى إعادة تنشيط قطاع شهد تباطؤًا حادًا منذ أواخر عام 2025.

 

أعلنت المنصة، في تصريحات حديثة لوزارة الصناعة، إجراءات جديدة لتيسير حصول المستثمرين على الأراضي الصناعية، من بينها توسيع نطاق الاستفادة من نظام الإيجار التمليكي ليشمل شريحة أكبر من المصنعين. لكن ممثلي جمعيات المستثمرين قالوا للمنصة، إن ملكية الأرض ليست العقبة الرئيسية أمام المستثمرين، وإنما تكمن المشكلة الحقيقية في نقص الأراضي المتاحة، دون وجود حل واضح حتى الآن لهذه الأزمة.


الإيجار التمليكي.. حل لنقص الأراضي أم لتكلفة الاستثمار؟


يطرح هاشم نظام الإيجار التمليكي باعتباره أحد الحلول لمشكلة نقص الأراضي الصناعية وارتفاع أسعارها، وهما عاملان ساهما في انتشار ظاهرة تخزين الأراضي والاعتماد على الوسطاء، ما يضيف تكاليف جديدة إلى أسعارها.


وبموجب النظام، يستطيع المستثمر استئجار الأرض الصناعية بعقود تتراوح مدتها بين سبع سنوات و21 عامًا، على أن تنتهي بانتقال الملكية إليه، مقابل إيجار سنوي يعادل 5% من سعر المتر المربع.


وقال أسامة حفيلة، رئيس جمعية مستثمري دمياط الجديدة، إن النظام يصب في مصلحة المستثمرين لأنه يحرر جزءًا كبيرًا من رأس المال الذي كان سيُستهلك في شراء الأرض، ويوجهه بدلًا من ذلك إلى النفقات التشغيلية، بما يساعد على تسريع وتيرة النمو الصناعي.


وأضاف حفيلة لـ«المنصة» أن شراء الأرض وتطويرها يستحوذ في كثير من الحالات على 60% إلى 70% من حجم الاستثمار الأولي في المشروع الصناعي. ومن شأن النظام الجديد أن يتيح مساحة أكبر للتوسع، لا سيما أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة.


ويأتي نظام الإيجار التمليكي أيضًا في محاولة لمواجهة تباطؤ النشاط الصناعي. فقد انخفض نمو الصناعات التحويلية غير النفطية للربع الثالث على التوالي خلال الفترة من يناير إلى مارس 2026، ليسجل أبطأ معدل نمو خلال 24 شهرًا.


لكن يبقى السؤال الأهم: أين توجد الأراضي التي يمكن تأجيرها؟


يرى علاء السقطي، رئيس جمعية مستثمري المشروعات الصغيرة والمتوسطة، أن الإيجار التمليكي يمثل خطوة مهمة، لكنه يحذر من أن تأثيره سيظل محدودًا ما دام نقص الأراضي قائمًا.


وقال السقطي للمنصة، إن المشكلة لا تكمن بالدرجة الأولى في آلية تخصيص الأراضي، وإنما في نقص الأراضي الجاهزة للطرح. وأوضح أن الإجراءات التي أعلنتها وزارة الصناعة تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، وقد تساعد في معالجة مشكلة احتفاظ مستثمرين بأراضٍ دون وجود خطط حقيقية لتطويرها، لكنها لن تعالج جوهر الأزمة، والمتمثل في نقص قطع الأراضي المخصصة للنشاط الصناعي.


طرح الأراضي لا يكفي.. المستثمرون يبحثون عن مواقع وخدمات


روّج وزير الصناعة السابق كامل الوزير لجهوده في مواجهة نقص الأراضي عبر الطروحات الدورية. وقال في تصريحات صحفية خلال توليه المنصب إنه أجرى ستة طروحات للأراضي الصناعية خلال عامي 2024 و2025، وأتاح للمستثمرين أكثر من 10 آلاف قطعة أرض.


وسعى الوزير كذلك إلى خفض تكلفة الحصول على الأراضي الصناعية عبر طرحها بنظام حق الانتفاع، مقابل سداد المستثمر 5% من سعر المتر المربع.


ورغم ذلك، استمرت شكاوى المستثمرين من نقص الأراضي، إذ ابتعدت كثير من الطروحات الأخيرة، رغم ارتفاع عددها، عن مراكز التصنيع الرئيسية التي يرغب المستثمرون في العمل بها.


وقال محمود سلطان، عضو مجلس إدارة جمعية مستثمري العاشر من رمضان، للمنصة، إن بعض المصانع القائمة في مدينة العاشر من رمضان تقدمت للحصول على أراضٍ بهدف توسعة منشآتها، لكن الوزارة ردت بأنها تريد من هذه المصانع التوسع في محافظات أخرى، ولا سيما محافظات الصعيد.


ويشكو المستثمرون كذلك من تأخر توصيل المرافق إلى الأراضي التي شملتها الطروحات الأخيرة. وقال سلطان: «لا يستطيع المستثمر ضخ أمواله في مشروع صناعي ثم ينتظر فترة طويلة حتى توصيل المرافق».


تحت رحمة الوسطاء


يجد المستثمرون الذين يبحثون عن أراضٍ خارج طروحات وزارة الصناعة أنفسهم تحت رحمة الوسطاء الذين يبيعونها بأعلى سعر ممكن.


وقال السقطي إن أسعار الأراضي الصناعية في بعض المناطق المخدومة بالقاهرة الكبرى وصلت إلى ما بين 8 آلاف و10 آلاف جنيه للمتر المربع، بينما تتجاوز 4 آلاف جنيه في الصعيد والمحافظات الأبعد عن العاصمة، وفقًا لعلي حمزة، رئيس جمعية مستثمري أسيوط.


وللحد من نشاط الوسطاء والمضاربة على الأراضي، كثفت وزارة الصناعة حملاتها لاسترداد الأراضي من المستثمرين الذين لا يلتزمون بالمواعيد المحددة لتنفيذ المشروعات.


ولا تمثل مشكلة «الأراضي غير المستغلة» ظاهرة جديدة، إذ أثارها وزراء سابقون، من بينهم نيفين جامع، التي قدرت في عام 2021 عدد هذه القطع بنحو 890 قطعة موزعة على 12 محافظة. لكن الحكومة لم تنشر بيانات واضحة حول مدى نجاح الحملات السابقة في تخفيف أزمة نقص الأراضي الصناعية.


المضاربة والتوسع الرأسي.. حلول جديدة لأزمة قديمة


تكشف الأشهر الأولى من ولاية الوزير الحالي مدى تعقيد المشكلة. ففي أبريل، أصدر قرارًا يلزم المستثمرين بالانتظار ثلاث سنوات قبل التصرف في الأراضي الصناعية، لكنه اضطر إلى تعليق القرار الشهر الماضي بعدما خلص، وفقًا لما قاله، إلى أن الإجراء أدى في الواقع إلى زيادة المضاربة على الأراضي.


وقال رئيس جمعية مستثمري أسيوط إن الحصول على الأراضي الصناعية في الصعيد كان شبه مجاني بهدف تشجيع الاستثمار في المناطق التي تعاني نقصًا في البنية التحتية. لكنه أوضح أن ذلك شجع بعض المستثمرين على الحصول على الأراضي دون وجود خطط حقيقية لتشغيل المشروعات، ما أدى إلى توقف عدد من المشروعات بعد فترة قصيرة من إنشائها.


ويقدر رئيس جمعية مستثمري دمياط الجديدة أن نحو 200 قطعة من أصل 850 قطعة في المنطقة الصناعية بدمياط الجديدة لا تزال قيد الإنشاء أو متوقفة أو تواجه صعوبات في التشغيل.


ومن بين المقترحات الأخرى التي يطرحها هاشم السماح للمصانع بالتوسع رأسيًا، عبر إضافة طوابق جديدة إلى المباني الصناعية. ويرى حفيلة أن هذا الإجراء قد يوفر مساحات إضافية في القطاعات التي تسمح طبيعة عملياتها الإنتاجية بذلك، ولا سيما الصناعات الخفيفة مثل البلاستيك والملابس والأحذية، لكنه سيكون أكثر صعوبة في قطاعات مثل مواد البناء والصناعات الهندسية.


ويحذر المستثمرون من أن إنعاش القطاع الصناعي لا يعتمد على وزارة الصناعة وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى دعم جهات حكومية أخرى.


وقال السقطي إن القطاع يواجه مشكلات تشمل نقص التمويل وصعوبة توفير المواد الخام المستوردة، مشددًا على حاجته إلى برامج تمويل أكثر مرونة وبأسعار فائدة أقل.


وستكشف الفترة المقبلة ما إذا كان الوزير الحالي قادرًا على حل مشكلات عجز أسلافه عن التعامل معها، وهي أزمات قديمة امتدت لعقود وتناوبت عليها وزارات ووزراء متعاقبون دون الوصول إلى النتائج المأمولة.

 

https://almanassa.com/en/stories/33416